محمد راغب الطباخ الحلبي

255

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

لرأيت شخص الحسن في مرآته * ورفعت بدر التم عن عتباته ثم مل الإقامة بين عشيرته فخرج من حلب وطاف البلاد . وكان كثير التنقل لا يستقر بمكان إلا جدد لآخر عزما ، وفي ذلك يقول وقد أحسن كل الإحسان : أنا التارك الأوطان والنازح الذي * تتبّع ركب العشق في زي قائف وما زلت أطوي نفنفا بعد نفنف * كأني مخلوق لطيّ النفانف فلا تعذلوني أن رأيتم كتابتي * بكل مكان حلّه كل طائف لعل الذي باينت عيشي لبينه * وأفنيت فيه تالدي ثم طارفي تكلّفه الأيام أرضا حللتها * ألا إنما الأيام طرق التكالف فيملي عليه الدهر ما قد كتبته * فيعطف نحوي غصن تلك المعاطف ودخل دمشق مرات وأقام بها مدة ، واتفق عند دخوله الأول جماعة من الأدباء المجيدين ، وكان لهم مجالس تجري بينهم فيها مفاكهات ومحاورات يروق سماعها ، فاختلوا به وعملوا له دعوات ، وكانوا يجتمعون على أرغد عيش ، وجرت لهم محافل سطرت عنهم ، ولولا خوف التطويل لذكرت بعضها . ثم سافر إلى القاهرة وهاجر إلى الحرمين واستقر آخرا بالمدينة . وله في مطافه القصائد والرسائل الرائقة يمدح بها أعيان عصره ( وهنا أورد المحبي من نظمه ونثره ثم قال ) : وكان مع ظهوره بزي الفقراء من الدراويش كثير الأنفة زائد الكبرياء والعجب ، ومن هنا حرم لذات المعاشرة واستعرض أكدار المذمة ، وهذا عندي من الحمق العظيم ، مع أنه ينافيه جودة تخيله في الشعر . وقد يقال إن الشعر موهبة لا يتوقف أمره على وجود الصفات الكاملة بأسرها . وأما أمر التناقض في الأحوال فكثير من يبتلى بها ، وهي وصمة لا راد للطعن فيها بحال . ومما يحسن إيراده في هذا الشأن ما يروى عن الإسكندر أنه رأى رجلا عليه ثياب حسنة وهو يتكلم بكلام وضيع قبيح ، فقال له : يا هذا إما أن تتكلم بمثل قدر ثيابك أو تلبس ثيابا على قدر كلامك . وقولهم ( غن تشاكل بعضك ) أصله أن سكرانا مر وهو يهلل فقيل له ذلك . انتهى . وأشعار فتح اللّه كثيرة مطبوعة مرغوبة . وهنا أورد المحبي عدة قصائد يطول الكلام بنقلها ، إلى أن قال : وقال يخاطب بعض الصدور ، وكان الفتح قدم من الحج فأهداه تمرا :